،   الصفحة السابقة

هيا هيثم أحمد

14 سنة

الغريبة - عشق الحروف    

  

 

 

 

الغريبة

ها هي شمسُ نهارٍ آخر تُشرقُ فوقَ الجبال . غرَّدتِ الطّيورُ وانبثقتْ الينابيعُ وأينعت الأشجارُ واخضرَّت الحقولُ .

وفي بيتٍ على الهضبةِ من قريةٍ صغيرةٍ تحيطُ بها بعضُ الأشجارِ الحراجيَّةِ يعيشُ عجوزانِ . استيقظا وفي قلبيهما أعاصيرُ

 اليأسِ . أحضرتْ العجوزُ الفطورَ ، ونادتْ على زوجِها العجوز : الفطور جاهز .

لم يكنْ العجوزُ راغباً بالفطورِ . جلسَ على مقربةٍ منْ الشرفةِ يُدخّنُ ويُبدِّدُ الوقتَ ، بينما كانتِ العجوزُ إلى جانبِهِ تتسلّى

 بتقشيرِ الرمّانِ . وإذ هما على هذه الحالةِ ، تناهى إلى سمعِ العجوزينِ من مكانٍ بعيدٍ صوتاً غريباً . تمهّل العجوزُ لحظةً ،

 ثمَّ أمعنَ النّظرَ في البعيدِ ، قائلاً بهدوءٍ : كأنّي أرى ، يا امرأة ، مركبةً قادمةً من المرّيخ وهي تسير الآنَ في اتّجاهنا .

وصلتْ السيّارةُ العجيبةُ ونزل منها أربعةُ أفرادٍ . تقدّمَ العجوزانِ وهما مندهشانِ منْ أمرِ هذه السيّارةِ العجيبةِ ووجودِها هنا .

 تقدّمتْ الشّابَّةُ منَ العجوزَينِ ، وبابتسامةٍ هادئةٍ ألْقَتِ التّحيَّةَ عليهما . رحّبَ العجوزانِ بها وبالضيوفِ الّذين معها . ولكي

 تُبَدِّدَ الشّابَّةُ قلقَ العجوزَينِ ، قالتْ لهما : في الحقيقةِ ، أنا الصّحفيَّةُ إِنجي ومعي فريقي من المذيعين ومعدّي البرامجِ ،

 جئنا لإجراء استطلاعاتٍ صحفيَّةٍ حول هذه القريةِ المنسيَّةِ النّائية .

رحّبَ العجوزانِ من جديدٍ بالضّيوفِ ، وارتسمتْ على وجهيهما علامات الفرح ، قائلاً العجوزُ للصحفيَّةِ إنجي : نحنُ

 في خدمتِكم جاهزون . قولي لنا ما هو المطلوبُ منّا .

أشعل العجوزُ غليونَهُ ، ملتفتاً إلى زوجتِهِ العجوزِ ، قائلاً لها أنْ تُعِدَّ الطّعامَ للضيوف . تقدّمت العجوزُ بطبقِ الرمّانِ المُقَشَّرِ أوّلاً .

أبدتْ إنجي سروراً وارتياحاً لوجودِها هنا . وحكتْ للعجوزينِ عنْ قصّتِها كيف عاشتْ جُلَّ وقتِها في دارٍ للأيتامِ ، وها

 هي اليوم الصّحفيّةُ إنجي . ثُمَّ التفتتْ نحو العجوزةِ ، وسألتها : ما اسمُكِ أيّتُها الجدَّةُ ؟ .

انبرى العجوزُ للإجابةِ ، قائلاً : أنا توماس وهذه زوجتي سمراء . نعيشُ من زمنٍ طويلٍ هنا في هذه القريةِ . هذا بيتُنا .

وهذه أرضُنا . وهذا بيتُ جارِنا أبا عامرٍ . هنا نحنُ منذ زمنٍ بعيدٍ ولا نعرفُ إلاّ هنا . هنا ولدنا وهنا سنموت . عرفنا

 هنا مصاعبَ الحياةَ وقساوةَ الطّبيعةِ وشظفَ العيشِ .

سألتْ إنجي العجوزَيْنِ : أما لديكم أولاد ؟؟ . وأشارتْ للمصوِّرِ ببدءِ التّصوير .

صمتَ العجوزانِ . وبانتْ على ملامحِ وجهيهما غمامةٌ من الحزنِ . ثُمَّ تنهَّدَتْ العجوزةُ ، قائلةً : نعم لدينا ، ولكنْ .....

 وذرفتْ العجوزُ دمعتَين وصمتت .

قال العجوزُ : لدينا ، يا ابنتي أولادٌ ، لكنّا ومنذ زمنٍ طويلٍ ونحنُ نحاولُ النسيان ولا نستطيع . نحاولُ أنْ ننسى تلك الكارثةِ .

استغربتْ إنجي ، وسألتْ العجوزَ مندهشةً : أيّةُ كارثةٍ هذه يا عمّ . احكِ لي . أرجوكَ أنْ تحكيَ لي .

حكى العجوزانِ قصّتَهما للصحفيَّةِ إنجي كيف فقدا ابنَيهما في غفلةٍ مجنونةٍ من غفلاتِ الزمنِ عندما دخل ملاّكٌ وأثرياءٌ القريةَ

ذاتَ يومٍ واقتحموا المنزلَ وعاثوا فساداً في هذا المكانِ ، وعندما لم يُفلِحا في الحصولِ على شيءٍ ، أخذوا منّا أغلى وأعزَّ

ما نملكُ . وراحا يبكيان بحسرةٍ وأسفٍ وألم .

بكتْ الصّحفيَّةُ إنجي لقصَّةِ العجوزَيْنِ . وراحتْ تتذكّرُ حياتَها البائسةَ وكيفَ عاشتْ لحظاتٍ أليمةً في دارٍ للأيتامِ دون

أبٍ أو أمٍّ . ثمَّ رفعتْ يدَها كي يوقفوا التّصويرَ .

هبّتْ ريحٌ شرقيّةٌ واحلولكَ الأفقُ وهبَّت العواصفُ ، ممّا اضطرَّ الفريقَ التلفزيونيَّ المرافقَ لإنجي أنْ يبيتَ ليلتهم في

القريةِ في بيتِ العجوزينِ .

نام الجميعُ وظلّت العجوزُ سمراء والصّحفيّةُ إنجي تتسامرانِ حتى طلوعِ الفجر . وقبل استيقاظِ الجميعِ أشارتِ العجوزُ

على إنجي بأنْ تُبدّلَ ثيابَها وتخلُدَ للرّاحةِ قليلاً .

دخلا إلى غرفةٍ مجاورةٍ وأعطتْ العجوزُ لإنجي بعضاً من ملابسِها كي ترتاحَ .

وبينما كانتْ إنجي تُبدّلُ ثيابَها صرخَتْ سمراء بصوتٍ عالٍ وشهقتْ : ريما !! ريما !!

استغربتْ إنجي لماذا تصرخُ العجوزُ ، وتقولُ لها : ريما .. ريما .

اقتربتْ العجوزُ أكثرَ من إنجي لترى العلامةَ نفسَها الّتي كانتْ كتفِ ابنتِها ريما .

استيقظَ العجوزُ باكراً . وعرفَ بأمرِ العلامةِ الغريبةِ الّتي كانتْ تُميّزُ ابنتَهما ريما .

أسرّا لإنجي بالأمرِ . وفرحتْ إنجي ، وهي تضمُّ أبويها بحنانٍ وتبكي ، وتقول :

 لا . لا . لا أُصدِّقُ أنّي تلك الفتاة ريما الّتي فقدها أبويها ذاتَ يومٍ هنا وعاشتْ في دارٍ للأيتامِ قد عادتْ إلى

هنا لا لتسمعَ قصّةَ العجوزينِ بل لتكتشفَ أنّها وجدتْ عائلتَها ، أيضاً .

عشقُ الحروف

ها هي حروفُ الأبجديَّةِ قد اجتمعتْ وجلستْ صامتةً في اللّيل . جلس ( ميّار ) خلف مكتبِهِ وتناول قلمَهُ على عجلٍ

 ليكتبَ ما حدثَ معه اليوم من أحداث ويضعها في دفتر المذكَّرات . راح يكتبُ ويكتبُ والحرفُ تلو الحرفِ يشهقُ

ويلهثُ بينَ أصابِعِهِ . توقّفَ ميّار برهةً وراح يُفكِّرُ بصمت ، وإذ بصوتٍ غريبٍ حنونٍ ينطقُ به اسمُ ( ميّار )

 الموجودُ في أعلى الصفحةِ ، ويتحرّكُ بين ثناياه حرفُ الأَلِف ، قائلاً :

- إيْهْ . أنت . أيُّها الصّغير . أنا هنا . قلْ لي ماذا بكَ . ولماذا تُهملُني في كتاباتِكَ . وكيف تستطيعُ ، يا تُرى ،

 أنْ تكتبَ كلَّ هذه الكلماتِ دوني . إنّي زعلان منك يا صديقي الصّغير . إنّي غير موجودٍ إلاّ هناك في

اسمِكَ الّذي في أعلى الصفحةِ : ( ميّار ) . أجلسُ وأتثاءَبُ هناك قبل ( الرّاء ) وبعد ( الياء ) .

قال ( ميّار ) متعجباً ومندهشاً :

= أنتَ أيّها الأَلِف . قل لي لماذا تتكبّر على الجميع . وبأيِّ حقٍّ تتدخّل في شأني ككاتبٍ ؟؟!!

 ولتكنْ أنتَ أوَّل الحروفِ فماذا يعني هذا ؟؟!!

تغيّرتْ ملامح الأَلِف وصار حرفاً بائساً حزيناً ، وقال لصديقه الكاتب ميّار :

- أنا متأسِّفٌ . لكنّي أشعرُ بالغربةِ والوحدةِ اللّتينِ تجعلان منّي حرفاً كئيباً بينَ أقراني الحروف .

= قال ميّار : ولكنّك لستَ وحيدأً يا صديقي في هذه الزحمة من الحروف .

قال الألف : أيّةُ زحمةٍ هذه !!. ألست ترى أنَّ الباءَ والتاءَ والثاءَ يحبّونَ اللّعبَ وحدهم . والجيمُ والحاءُ والخاءُ

يعتبرونَ أنّي من فصيلٍ آخر فهم متوّجونَ بالنّقطةِ بينما أنا ليس لديَّ سوى الهمزة . وكذلك الدالُ والذالُ

 يقولونَ عنّي أنّي متكبِّرٌ ، أمّا الراءُ والزّاي لا ينفصلانِ عن بعضِهما . انظر إليهما فهما متّحدانِ بشكلٍ

غريبٍ في كلمةِ ( رز ) ، مثلاً . والسينُ والشينُ أكلهما الهرم ، والصادُ والضادُ يكرهانني . قل لي أيُّها

 الصديقُ الكاتبُ ، ماذا أفعل ؟؟!!

= ميّار : يا صديقي إذا كنت أوّل الحروفِ وأكثرها بؤساً كما ترى وتنظرُ ، فماذا عنِ الياء آخر الحروف .

 لماذا لا تتصادقا . انظر كم هو مرتاحٌ وجميل بعد حرف الميم في اسمي وقبلك في الترتيب .

- قال الألِف : آه . مشكلة حقّاً .

= ميار : لماذا . أنت أجمل الحروفِ بقامتك الطويلة وقدِّكَ الممشوق وأكثر الحروفِ أناقة ، وعلى رأسكَ قبّعة .

- الألف : لقد حاولتُ أنْ أتصادقَ معها ، لكنّها تدَّعي دائماً بأنّها مشغولةٌ . إنّها متعجرفة وأنانيّة .

حاول ميّار أنْ يُخفِّفَ منْ شعورِ الألفِ الحزين وبؤسِهِ . اقتربَ من الياء وحدّّثَها عن جمالِ الصّداقةِ ،

 قائلاً لها أنَّ الألفَ إنسانٌ طيّبٌ ويؤمنُ بمعنى الصّداقةِ ، وطلبَ منها أنْ يتقابلا ويتعارفا .

صرختْ الياءُ في وجهِ ميار ، قائلةً : وكيف تريدُ منّي أنا الفاتنةُ الشقراءُ وخاتمةُ الحروفِ وأبهاها أنْ أتصادقَ

 مع هذا المسكين الألف .

قال ميار : لكنّ الألف تحلفُ باسمِهِ : الشمسُ والقمرُ والحبُّ .

صدمتْ الياءُ وشعرتْ بوقعِ كلامِ ميار ينزلُ على رأسِها كالصّاعقة .

دامَ في الليلِ صمتٌ طويل . ذهبتْ في تلك الأثناء الياءُ إلى الألف . وبدتْ على ملامح الألف علاماتُ الفرح

 عندما دخلتْ إليه الياء .

جلستْ الياءُ والألف معاً . قالتْ الياءُ للألف  : آسفةٌ لإزعاجكَ يا صديقي لأنّي لم أفهم من قبل كيف

يمكنُ لي أنْ أحبّكَ . لقد قتلني غروري . لقد استطعتُ أنْ أكونَ حرفاً بينَ الحروفِ لكنّي لم أستطعْ أنْ أحبّّ كما أحبّك الآن .

صمتَ الألفُ بينما كانَ الليلُ يسحبُ خيوطه الأخيرة  وراح ميار يُراقبُ المشهد الكرنفاليَّ المثيرَ بإعجابٍ شديد

 

الإنتقال إلى

 الصفحة السابقة   الصفحة الرئيسية

 

www.tezkar.net

  عامر ضاحي علي

932208919   963  +        اللاذقية - سوريا  

aamer@tezkar.net