, ،2 ،1  الصفحة السابقة

زغدة أيمن معروف  

12سنة

قصة : 1- جدتي تلون صباحي

 2- فصول الحب

  

 

 

    جدتي تلون صباحي  
 

تشدد أمي كثيرا في تعاليمها على القوة الجسدية ، وتردد دائما : بأن القوة الجسمانية ضرورية في مرحلتنا هذه ،
فما زلنا ننمو وما زالت طريقنا نحو المستقبل في بدايتها ، وحين سألتها ذات صباح : أمي متى نموت ؟!
ولماذا نموت ؟! التفتت نحوي وأجابت بحزم : يا ابنتي ما دمنا نعيش فلا يجب أن نفكر بالموت وعلينا أن
نكترث فقط بالعيش .دارت تفاصيل صغيرة في حديثنا حول تدرج حياة البشر وكيف أننا نمر بأطوار وتفاصيل عدة ،
قطع صوت جدتي استرسال حديثنا إذ كانت تجلس على مقربة منا ، ولا بد أنها سمعت ما دار بيننا أنا وأمي :
تعالي يا ريم تعالي . انظري وتعلمي من مشاهدتك لموكب النمل هذا ، نظرت إلى حيث أشارت جدتي بإصبعها،
كانت ثقوب صغيرة في ارض الحديقة ، تعلوها قمم صغيرة من التراب ، ثقوب مخصصة لدخول النملات المحملة
بالحبوب وبقايا الخبز ، وثقوب أخرى لخروج أخريات قد أفرغن حمولتهن وعدن من جديد بحثا عن قوتهن ،
وعلى مقربة من الكرسي الذي تجلس عليه جدتي كان حوض من أزهار الأقحوان تجمعت حوله بضع نحلات وصوت
الطنين ينم عن حماسة وجدية في رشف رحيق الأقحوان .ابتسمت جدتي ، وبنظرة خاشعة إلى السماء سبحت بحمد
الله وقالت : سبحان الله يا ابنتي فكل كائن يعرف أن رحلة الصعوبات تتجدد مع كل مطلع شمس وعلى مر الزمان
الجميع في معركة لأجل الحياة ، فكري يا ريم واتركي امر الموت والروح لخالقها طالما أن الإنسان ربما يدركه الموت
وهو نائم بصمت في سريره .
لحظات مرت ونحن نتأمل نبض الحياة الذي تضج به هذه الكائنات الصغيرة ، فنبهتني جدتي لمتابعة نملة يعلو روحها
الإصرار والجد فقد كانت تحمل حبة قمح لا تتناسب مع حجم جسمها أو قوته ، لكنها رغم ذلك ظلت تتململ وتحاول
وتدحرج حبتها إلى أن أوصلتها إلى فتحة صغيرة في الأرض فاستدارت ودفعتها فأدخلتها .
التفت إلى أمي فرأيتها منشغلة كعادتها بإعداد الفطور وتلبية حاجات إخوتي الصغار ، اقتربت أكثر من جدتي وأنا
متأكدة أنها أكثر تفرغا لأسئلتي ، وبسحر ولطف لامست قبلتي جبين جدتي فأزحت الستار عن حكاية من حكاياتها
التي انطوت عليها صفحات الذاكرة في رأسها الذي تكلل بمنديل أبيض يغمر جبينها فيشع نورا وإشراقا .
بدأت حكايتها وهي تزمّ حول عينيها وتطبق جفنيها متذكرة ....:من الصعب ان أنسى أني لمرة كنت كهذه
النملة منهمكة ومرتبكة ، إذ كان عمك احمد صغيرا ، وجدك يطيل غيابه عن البيت في خدمة الجيش ، وككل صباح
لا بد أن أسلك طريق الجبل الوعرة لمسافة طويلة ، فمن اعلي الجبل إلى النبعة الموجودة في قاع الوادي ،ألف ّرأسي
بقطعة قماش ، وأحمل الجرة التي تآكلت أطرافها بفعل القدم وكثرة الإستعمال ، ملأتها بالماء وأسندتها على كتفي وحملت
عمك أحمد على خصري فلا يوجد من يساعدني ، إذ كان أبوك صغيرا وأفضل ما يفعله هو تعهده إخوانه الصغار ،
ساعتين من السير تحت قيظ الحر وثقل الحمل وبالطريق الوعرة صعودا ، لكني أخيرا وصلت إلى فناء البيت فركض
أبوك فرحا برجعتي إلى البيت وهو يناديني : أمي أنا عطشان وجائع . اندفع نحوي وارتمى على قدمي المنهكتين
ففقدت توازني وسقطت الجرة عن كتفي وتحطمت وسال الماء العذب ، وبكى عمك أحمد بحرقة وذعر وخارت روحي
من شدة التعب ، لكني حمدت الله على نعمة الماء الذي تضخه النبعة ، وعقدت العزم أن أعود بالماء من جديد ، فأبنائي
بحاجة للماء ولا يجوز أن يبقوا عطشى أو جياع ، في هذه الأثناء سمعت أمي تناديني وجدّتي : الفطور جاهز ..
هيا سمّوا بالله .

   فصولُ الحبّ    


اليومَ تُصغي الطّبيعةُ الأُمُّ لاعترافاتِ أبنائِها .

تضايقَ الصَّيفُ وكانَ خجولاً إذ تنبَّهَ إلى شدَّةِ حرارتِهِ الّتي تُلهبُ أجسادَ النّاسِ حتّى تتصبَّبَ مسامُ

جلودِهم بالعرقِ الغزير . لكنّه فطنَ لخيراتِهِ الّتي يحملُها إليهم ، وفرحَ إذ يُقدّم ثمارَهُ هديَّةً رائعةً كي

 يتفنَّنَ النّاسُ بصناعةِ أنواعٍ كثيرةٍ منَ العصائرِ والمثلّجاتِ وهو فرحٌ إذ يفتحُ البحرُ بابَ شاطئِهِ للأطفالِ

فيبنونَ قلاعاً منَ الرملِ تتهدَّمُ أمامَ خطواتِ الموجِ العابثة .

الربيعُ ، بدا فخوراً بدفئِهِ وشمسِهِ الذهبيَّةِ الّتي تتلألأُ تحت أشعتِها قطراتُ النّدى فوق العشبِ والمروجِ

 الخضراءِ وعلى ثغْرِ الورودِ والنّباتاتِ على حافَّةِ الغدرانِ .بدا الربيعُ بقميصِهِ السندسيِّ الّذي تفوحُ منْ

بينِ ثناياهُ أنفاسٌ معطَّرَةٌ فرحاً ومُختالاً بالشّذى الّذي يضوعُ في أرجاءِ الأرضِ المبتهجةِ عبقاً يعانقُ

الألوانَ المزركشةَ على أديمِ الأرضِ وفضّةَ القمرِ وزرقةَ الآفاقِ في السماء .

تذكّرَ الشّتاءُ النفقات الباهظةَ الّتي سوف يدفعُها النّاسُ وهو بينهم جارّاً معهُ بردَهُ القارسَ وعواصفَهُ العاتيةَ

 الّتي تدفعُ النّاسَ إلى فعلِ ما هو ضروريٌّ لاتِّقاءِ بردِهِ وعواصفِهِ بشراءِ الوقودِ اللاّزمِ لدَرْءِ الأمراضِ الكثيرةِ

 الّتي قد تُسبِّبُها الرعونةُ الهوجاءُ لطبيعةِ الشّتاءِ القاسيةِ ، إذتتفاقمُ الأمراضُ وتزدادُ الحاجةُ للدواءِ . غير أن

 الشّتاءَ تذكَّرَ ، أيضاً ، أنّهُ رغمَ طبيعتِهِ القاسيةِ ، فإنَّ لثلجِهِ المُحتَمَلِ ببياضِهِ الّذي يشبهُ الحلمَ الواعدَ بمستقبلٍ

 أفضلَ للأطفالِ يُمكنُ أنْ يكونَ ساحةَ حبٍّ حقيقيَّةٍ للعِبِ الأطفالِ ومرحهم . ففي ثلجِهِ الأبيضِ النّاصعِ الجميلِ

عزاءٌ ، وفي أمطارِهِ الّتي ستجلبُ الخيرَ الوفيرَ للأرضِ والمياهَ الكثيرةَ للينابيعِ بهجةٌ للنّاسِ وحمدٌ كبيرٌ .

قفز الخريفُ الإبنُ المشاكسُ من لوحةِ الفصولِ . بعثرَ الأشياءَ وأشاعَ الفوضى في عناصرِ الطّبيعةِ وارتفعَ

صفيرُ رياحِهِ واعتلتْ وجهَهُ صُفْرَةٌ أربكتْ الأشجارَ وأقلقتِ الينابيعَ وأذهلتِ الأزهارَ . وقفَ الإبنُ المشاكسُ

على قارعةِ الطّريقِ مُحدِّقاً في جموعِ الأطفالِ العائدةِ منْ مدارسِها بينما الأوراقُ الخريفيَّةُ الصفراءُ تَطْفرُ في

الدّروبِ مٌحاولاً الإعتذارَ منَ الطّفولةِ السّمحاءِ عنْ أسلوبِهِ الفوضويِّ المشاكسِ .

كانتْ الطّبيعةُ الأمُّ تُصغي لاعترافاتِ أبنائِها ، فاسحةً المجالَ للتعبيرِ عنْ كوامنِهم . ابتسمتْ ، ثُمَّ قالتْ :

أنتم الفصولُ أبنائي . جميعكم أبناءٌ صالحون . وكلُّ واحدٍ منكم يؤدّي رسالتَهُ لما فيه خيرٌ . أنتم معاً تُكملونَ

دورةَ الطّبيعةِ ، فكلٌّ لهُ عملُهُ الّذي لنْ يكونَ عملُ الآخرِ تامّاً بدونِهِ . فاهنؤوا جميعاً وكونوا سعداء . إنّكم

بجهودكم تتمّونَ دورةَ الأرضِ لتشرقَ الشّمسُ كلَّ يومٍ منْ جديدٍ وليطلع القمرَ في قبَّةِ السّماء وليستمرَّ البحرُ

في أعمالِهِ والأرضُ في عطائِها . وبهذا أنتم تُشكّلونَ فصلاً رائعاً من فصولِ العطاءِ والخيرِ تعطونَ الحياةَ للجميعِ

فما أنتم إلاّ فصولاً للحبّ .

 

الإنتقال إلى

الصفحة السابقة

  الصفحة التالية   الصفحة الرئيسية

 

www.tezkar.net

  عامر ضاحي علي

932208919   963  +        اللاذقية - سوريا  

aamer@tezkar.net