![]() |
|
|
||
|
رهف فارس الحاج جمعة 13سنة قصة العصافير لا تغرد فقط |
|
|
|
العصافير لا
تغرد .. فقط !. البيت كلوحة ساحرة رسمتها ريشة فنان عظيم!. كنت أستلقي على بساط الحشائش الغضّة بكسل واسترخاء,فيما أنصت لشدو البلابل التي تصدح على أغصان شجرة اللوز الكبيرة. أغمض عيني في هذا الجو البديع وسط صيحات أمي, والتي كانت كثيراً ما تلومني على كسلي وتقصيري في أداء واجباتي المدرسية, وتتهمني بأني لا أقدم لها يد المساعدة في أعمال المنزل, بل تحولت إلى تلميذة كسولة تؤجل عمل اليوم إلى الغد أستيقظ بعد أن تغزو الشمس فراشي, لأصل إلى المدرسة متأخرة, بعد أن كنت متفوقة على جميع أترابي من التلاميذ و تلقى الثناء من جميع معلماتي حتى أصابني الغرور بنفسي أخيراً, وأنا أردد في نفسي لما لا أحيا حياة اللهو والكسل مثل تلك العصافير الجميلة التي تغني بحبور وسعادة على أشجار حديقتنا, لا شيء يزعجها ولا عمل ينتظرها, فبعدت عن الجد والدرس معتقدة بأني لن أحتاج إلى بذل المزيد من الاجتهاد لأنال الدرجات الرفيعة في موادي المدرسية .أصبحت أعتمد كلياً على أمي في أعمال المنزل وحتى في ترتيب وتحضير حوائجي الخاصة , كما صرت أعتمد على رفيقاتي في المدرسة في إنجاز وظائفي المدرسية , وسط استياء أسرتي ومعلمتي التي باتت تنهرني من وقت لآخر , لما لمسته من تقصير واضح في أداء واجباتي .لقد اعتدت على أجواء الكسل والتراخي دون شعور بالمسؤولية , لكنني كنت أشعر في داخلي بحنق على نفسي فقد أصبحت في آخر الصف وتقدمت عليّ جميع زميلاتي , وكأن الكسل يغري بمزيد من الكسل وصرت لا أصحو من فراشي حتى أستمع إلى لحن آخر عصفور على شجرة اللوز القريبة من نافذتي , أهدر الوقت الثمين دون أن ألتفت إلى حفظ دروسي أو القيام بعمل مفيد , أعجبتني حياة الطيور الغارقة في الكسل والغناء , فقدت الثقة بنفسي وانتابني شعور عارم بالإحباط والحزن , وكدت أسقط في متاهات الفشل , مستسلمة للنوم وحياة الراحة . صرت أقضي معظم أوقاتي في اللعب واللهو , انغمست في حياة الكسل دون مراعاة لواجباتي ووظائفي , لكن أمي الطيبة التي كانت تراقبني عن كثب وتتقفا خطاي بحذر وحزن , أيقظتني ذات صباح ربيعي مشمس من أحد أيام العطلة المدرسية , ودعتني لمرافقتها إلى حديقة المنزل بابتسامة مشجعة , ثم طلبت مني أن أراقب ذلك المشهد المؤثر الرائع الذي لن أنساه طيلة حياتي والذي بعث في نفسي الأمل والقوة من جديد كي اخرج من قفص الكسل وأحطم قضبان الفشل ولأفتح عيني على حقيقة الحياة , فقد تثنى لي في وقت من الأوقات أن أشاهد طيرا جميلا يبني عشه في مدخنة بيتنا , ثمَّ انقضت الأيام فلم أكترث بما حدث له ولصغاره بعد ذلك , فقد كنت منشغلة باللعب والإستماع إلى شدو الطيور الأخرى .وها هو ذلك الطائر يؤدي الآن أمامي أجمل مشهد رأ ته عيناي , ليلقنني درسا عظيما سأتذكره ما حييت , فما أن فقست بيوض ذلك الطائر , وتحول زغبها الرقيق إلى ريش جميل , حتى طارت الطيور الصغيرة جميعها , محلقة بأجنحتها الفتية معتمدة على نفسها لبناء عش جديد بعيد عن أرض ولادتها , حلـَّقت كل العصافير ما عدا ما عدا واحدا بقي داخل العش مستسلما للكسل ,فقد أراد ذلك الطائر الصغير أن يمكث في العش الدافئ وأن يعتمد في طعامه على أمه , ورفض أن يتعلم الطيران , أعجبته حياة الكسل والغناء دون عناء , وقد أزعجت فعلته هذه أمه كثيرا, والتي راحت تستعرض أمامه كل ألوان الطيران , فراحت تفرد أجنحتها الملونة الجميلة وتطير بهدوء مرفرفة في الفضاء كي تجعله يتعلم منها فنون الطيران , ولكن دون فائدة .أصرّ ذلك العصفور الصغير أن يبقى مستسلما ل لراحة في عشه الدافئ , وأخيرا امتنعت الم تحت أنظارنا ووسط دهشتنا عن إطعامه , لتجبره على تحمل المسؤولية والإعتماد على نفسه , لا نقمة منه أو كرها له , وإنما حبا به , فكانت تحضر له الطعام فوق منقارها ولكنها كانت تبقى واقفة خارج العش لكي يخرج إليها ! وهكذا تعلم العصفور الصغير الطيران وتعلم كيف يخرج من عشه وكسله ليطير بنفسه . أنقذته أمه من كسله كما أنقذتني أمي أيضا بهذا الدرس القاسي, الذي شاهدته للتو أمام عيني , وفي الأيام اللاحقة رأيت كيف راح ذلك العصفور الصغير يبني عشه الجديد , وكيف كان يستيقظ باكرا ليجمع أعواد القش ويجلب الحب ليطعم نفسه وصغاره فيما بعد , والتي ما أن شبّت عن الطوق حتى أجبرتهم أمهم على الطيران والتحليق بمفردهم ليتعلموا الإعتماد على أنفسهم .اعتذرت لأمي ولمعلمتي عمّا بدر مني في الأيام السالفة , وعزمت أن أشمّر عن ساعد الجد والعمل , فالحياة لا تعطي ثمارها الناضجة إلا لمن يبذل العرق في سبيلها , صرت أستيقظ باكرا وأغتنم الوقت في الدرس والجدّ , لأعوّض ما فا تني , شعرت بأني أستردّ نشاطي وثقتي بنفسي فصرت
قادرة على تحمّل المسؤولية , وعلمت أنّ قيمة الإنسان هي
في عمله وأدائه لرسالته وثقته بنفسه ..
الإنتقال إلى |
||
www.tezkar.net
عامر ضاحي علي
932208919 963 + اللاذقية - سوريا
aamer@tezkar.net